سيد محمد طنطاوي
390
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى . قال اللَّه - تعالى - لإبليس : اذهب أيها اللعين مذؤما مدحورا . فإن جهنم هي الجزاء المعد لك ولأتباعك من ذرية آدم ، وافعل ما شئت معهم من الاستفزاز والخداع والإزعاج ولهو الحديث وأجلب عليهم ما تستطيع جلبه من مكايد ، وما تقدر عليه من وسائل ، كأن تناديهم بصوتك ووسوستك إلى المعاصي ، وكأن تحشد جنودك على اختلاف أنواعهم لحربهم وإغوائهم وصدهم عن الطريق المستقيم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى استفزاز إبليس بصوته ، وإجلابه بخيله ورجله ؟ قلت : هو كلام وارد مورد التمثيل شبهت حاله في تسلطه على من يغويه ، بمغوار أوقع على قوم ، فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ، ويقلقهم عن مراكزهم ، وأجلب عليهم بجنده ، من خيالة ورجالة حتى استأصلهم ، وقيل : بصوته ، أي : بدعائه إلى الشر ، وبخيله ، ورجله : أي كل راكب وماش من أهل العبث . وقيل : يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال » « 1 » . وعلى أية حال ، فالجملة الكريمة تصوير بديع ، لعداوة إبليس لآدم وذريته ، وأنه معهم في معركة دائمة ، يستعمل فيها كل وسائل شروره ، ليشغلهم عن طاعة ربهم ، وليصرفهم عن الصراط المستقيم ، ولكنه لن يستطيع أن يصل إلى شيء من أغراضه الفاسدة ، ما داموا معتصمين بدين ربهم - عز وجل - . وقوله - سبحانه - : * ( وشارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ والأَوْلادِ وعِدْهُمْ ) * ، معطوف على ما قبله . أي : وشاركهم في الأموال ، بأن تحضهم على جمعها من الطرق الحرام ، وعلى إنفاقها في غير الوجوه التي شرعها اللَّه ، كأن يستعملوها في الربا والرشوة وغير ذلك من المعاملات المحرمة . وشاركهم في الأولاد : بأن تحثهم على أن ينشئوهم تنشئة تخالف تعاليم دينهم الحنيف وبأن تيسر لهم الوقوع في الزنا الذي يترتب عليه ضياع الأنساب ، وبأن تظاهرهم على أن يسموا أولادهم بأسماء يبغضها اللَّه - عز وجل - ، إلى غير ذلك من وساوسك التي تغرى الآباء بأن يربوا أبناءهم تربية يألفون معها الشرور والآثام ، والفسوق والعصيان . قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق عددا من الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال بالصواب أن
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 678 .